الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
304
مناهل العرفان في علوم القرآن
( المظهر الأول ) أن هؤلاء المشركين مع حربهم له ، ونفورهم مما جاء به ، كانوا يخرجون في جنح الليل البهيم يستمعون إليه والمسلمون يرتلونه في بيوتهم . فهل ذاك إلا لأنه استولى على مشاعرهم ، ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم وكراهتهم للحق أن يؤمنوا به بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ . ( المظهر الثاني ) أن أئمة الكفر منهم كانوا يجتهدون في صد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قراءته في المسجد الحرام وفي مجامع العرب وأسواقهم ، وكذلك كانوا يمنعون المسلمين من اظهاره ، حتى لقد هالهم من أبى بكر أن يصلى به في فناء داره ، وذلك لأن الأولاد والنساء كانوا يجتمعون عليه يستمتعون بلذة هذا الحديث ويتأثرون به ويهتزون له ! . ( المظهر الثالث ) أنهم ذعروا ذعرا شديدا من قوة تأثيره ونفوذه إلى النفوس على رغم صدهم عنه واضطهادهم لمن أذعن له . فتواصوا على ألا يسمعوه ، وتعاقدوا على أن يلغوا فيه إذا سمعوه ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ! . ( المظهر الرابع ) أن بعض شجعانهم وصناديدهم ، كان الواحد منهم يحمله طغيانه وكفره وتحمسه لموروثه ، على أن يخرج من بيته شاهرا سيفه ، معلنا غدره ، ناويا القضاء على دعوة القرآن ومن جاء بالقرآن ، فما يلبث حين تدركه لمحة من لمحات العناية ، وينصت إلى صوت القرآن في سورة أو آية ، أن يذل للحق ويخشع ، ويؤمن باللّه ورسوله وكتابه ويخضع . وإن أردت شاهدا على هذا فاستعرض قصة إسلام عمر وهي مشهورة . أو فتأمل كيف أسلم سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس هو وابن أخيه أسيد بن حضير ، رضى اللّه عنهم أجمعين . وإليك كلمة قصيرة عن إسلام سعد وأسيد فيها نفع كبير : تروى كتب السيرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في مكة قبل الهجرة ، أرسل مع أهل المدينة الذين جاءوا وبايعوه بيعة العقبة ، مبعوثين جليلين يعلمانهم الإسلام وينشرانه